اسد حيدر
14
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
فإنّهم يردون كلام النبيّ المعصوم - مع اعتقاد صحة سنده - لقول نقل عن إمامهم ، ويتعلّلون باحتمالات ضعيفة ) « 1 » . كما وقد دفعهم التعصّب إلى أنّهم ( إذا وقفوا على آية محكمة ، أو سنّة قائمة ، أو فريضة عادلة تخالف مذهبهم ، صاروا يؤولونها على غير تأويلها ، ويصرفونها عن ظاهرها إلى ما تقرر عندهم من المذاهب والمشارب ، وطفقوا يطعنون على من عمل بفحواها الظاهر ومبناها الباهر ، كأن الدين - عندهم - هو ما جاء عن آبائهم وأسلافهم دون ما جاء عن اللّه في كتابه ، أو عن رسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) « 2 » . ومهما يكن من الأمر فإن تلك الاتجاهات كانت من تدخّل عناصر دخيلة في الإسلام ، بعيدة عن مبادئه ، وإلّا كيف يصح أن يقدم مسلم تشبّعت فيه روح الإسلام إلى هذه الأمور المخالفة للحق ، والتي يتبرأ منها الإسلام ، كما أن أئمة المذاهب هم أنفسهم لا يعرفون ذلك في أنفسهم . ولو استنطقنا تاريخ حياة أولئك الأئمة ، لأجاب بالإنكار على ما يرتكبه المتعصّبون من مخالفة الواقع ، وقد ألّفوا كتبا تختص بمناقبهم ، وجمعوا فيها ما لا يقبله العقل ، ولا يرتضيه الذوق ، من أمور لا صلة لها بالواقع . كما قد تساهلوا في نقل كل ما سمعوا ، وأثبتوا كل ما وجدوا ، من دون التفات إلى المؤاخذات . ويجب علينا - إن أردنا دراسة شخصية أحد من أئمة المذاهب ، أو إعطاء صورة عنها - أن لا نقتصر على اقتفاء ما نقلته ألسنة المعجبين به . فإن العقل يشهد بوضع أكثرها ، وعدم ارتباطها بالحقيقة ، ولهذا كان البحث عن المذاهب أمرا شاقا مجهدا ؛ لما يكتنف الموضوع من غموض وتعقيد ، ويحتاج إلى تأمّل واستفراغ واسع ، لإعطاء النتيجة عند الوصول إلى الغرض المطلوب . وربما يبدو للبعض سهولة البحث في الموضوع . ولكن الحقيقة غير هذا ، بل هو موضوع شائك يحتاج إلى جهد وعناء . والخلاصة : إن مشكلة التعصّب للمذاهب الأربعة هي أعظم مشكلة حلّت في المجتمع الإسلامي ، أدّت إلى اختلاف في الآراء ، وتشتت في الأهواء ، واضطراب حبل المودّة ، وتكدير صفو الأخوّة . وكان من وراء ذلك خطر عظيم ، وانحطاط
--> ( 1 ) الوحدة الإسلامية للسيد رشيد رضا ص 45 . ( 2 ) الدين الخالص للسيد محمّد صديق حسن ج 3 ص 263 .